أحمد بن علي الرازي
281
شرح بدء الأمالي
29 ] . وقال : وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا [ مريم : 41 ] . وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مُوسى إِنَّهُ كانَ مُخْلَصاً وَكانَ رَسُولًا نَبِيًّا . إلى قوله : هارُونَ نَبِيًّا [ مريم : 51 - 53 ] . وقال : وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ وَكانَ رَسُولًا نَبِيًّا إلى قوله : إِدْرِيسَ [ مريم : 54 - 56 ] . ونظائرها كثيرة ، وقد ذكر الله اسم كل نبي باسم الذكورية ، وما ذكر باسم الأنوثية ، وقال في حق مريم ، عليها السلام : وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا [ مريم : 16 ] . وما قال : إنها رسول أو نبي ، فتبين بهذه الدلائل أن النبوة للرجال دون النساء « 1 » إلّا أنّ النبي صلّى اللّه عليه وسلم مدحهنّ بالعبادة فقال : « امرأة صالحة خير
--> ( 1 ) قال ابن حزم : « فإن طائفة ذهبت إلى إبطال كون النبوة في النساء جملة وبدعت من قال ذلك ، وذهبت طائفة إلى القول بأنه قد كانت في النساء نبوة وذهبت طائفة إلى التوقف في ذلك . ثم قال : إلا أن بعضهم نازع في ذلك بقوله تعالى : وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ . قال أبو محمد : وهذا أمر لا ينازعون فيه ولم يدّع أحد أن الله تعالى أرسل امرأة ، وإنّما الكلام في النبوة دون الرسالة فوجب طلب الحق في ذلك بأن ينظر في معنى لفظ النبوة في اللغة ، فوجدنا هذه اللفظة مأخوذة من الإنباء ، وهو الإعلام ، فمن أعلمه الله عز وجل بما يكون قبل أن يكون أو أوحى إليه منبئا له بأمر ما فهو نبي بلا شك وليس هذا من باب الإلهام الّذي هو طبيعة كقول الله تعالى : وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ ولا من باب الظن والتوهم الّذي لا يقطع بحقيقته إلا مجنون . ولا من باب الكهانة التي هي من استراق الشياطين السمع من السماء فيرمون بالشهب الثواقب ، ولا من باب النجوم التي هي تجارب تتعلم ، ولا من باب الرؤيا التي لا يدرى أصدقت أم كذبت . بل الوحي الّذي هو النبوة قصد من الله تعالى إلى إعلام من يوحى به إليه بما يعلمه به ، ويكون عند الوحي به إليه حقيقة خارجة عن الوجوه المذكورة يحدث الله عز وجل لمن أوحى به إليه علما ضروريا بصحة ما أوحى به كعلمه بما أدرك بحواسه وبديهة عقله سواء لا مجال للشك في شيء منه ، إما بمجيء الملك به إليه وإما بخطاب يخاطب به في نفسه وهو تعليم من الله تعالى لمن يعلمه دون وساطة معلم ، فإن أنكروا أن يكون هذا ، هو معنى النّبوة ، فليعرفونا ما معناها . كذلك فقد جاء القرآن بأن الله عز وجل أرسل ملائكة إلى نساء فأخبروهن بوحي حق من الله تعالى ، فبشروا أم إسحاق بإسحاق ثم يعقوب ، ثم بقولهم لها : ( أتعجبين من أمر الله ) ولا يمكن أن يكون هذا الخطاب من ملك لغير نبي بوجه من الوجوه ووجدناه تعالى قد أرسل جبريل إلى -